السيد حيدر الآملي
302
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
قولهم ، فحينئذ عقولنا تكفينا في مصالحنا ومعايشنا . وكلّ ذلك أيضا من ذلك النظر الفاسد ، لأنّ العقل لو كان كافيا في أمورنا المعادية والمبدئية لما احتجنا إلى الكتب والرّسل ، وكان إنزال الكتب وبعثة الرّسل عبثا ، وقد سبق أنّه لا يفعل العبث ، فعرفنا أنّ العقل في نظره محتاج إلى نظر آخر المعبّر عند الحكيم بالمنطق ، وعند الموحّد بالنور الإلهي والميزان الربّاني . وبناء على هذا كما يجب الجهاد مع القائلين بإله آخر غير اللَّه تعالى بالسيف الصوريّ ، فكذلك يجب الجهاد مع القائلين بوجود غير وجود اللَّه تعالى بالسيف المعنوي ، فإنّ الأوّل نشأ من متابعة الهوى والنفس ، والثاني من متابعة العقل ، والحكم الصادر منه بمجرّد الفكر . والشرك الجليّ عبارة عن الأوّل ، والشرك الخفيّ عن الثاني ، ودفعهما واجب على الكلّ عند التحقيق ، ولهذا ما خلا زمان من هذين الجهادين في حالة من الحالات ، لأنّ المسلمين كما أنّهم دائما في المحاربة مع الكفّار في أقطار العالم بالسيف الصوري ، فكذلك الموحّدين فإنّهم أيضا دائما في المحاربة مع الفلاسفة والبراهمة في أقطار العالم بالسيف المعنوي ، فجهاد أهل الحقيقة دائما ليس إلَّا جهاد أرباب العقول برفع شبهاتهم ودفع شكوكهم ، لكي يرجوا من متابعة العقل النظري إلى متابعة الذوق الحقيقي والعشق الإلهيّ المعبّر عنهما بالوحي والإلهام ، كما أنّ جهاد أهل الطريقة دائما ليس إلَّا جهاد النفس برفع شبهاتها ودفع شهواتها ، لكي يرجع من متابعة الهوى والجهل إلى متابعة العقل والشرع المعبّر عنهما بالدّين القويم والطريق المستقيم .